أفظل الخــواطــر الجــديــده

أفظل الخواطر 
 


نسيت نفسي ذات يوم عند جدار مهجور، حيث تركت ظلي شامخًا تحت شمسٍ متوهجة، وسرت في طريقي أبحث عن ذات أخرى. لم أدرك حينها أن رحلتي كانت تائهة بلا عودة، ولم أعلم أنني سأمضي في هذا البحث دون أن أضع يدي على ما فقدته.


ألم أسمع قبلاً عن أحد أضاع نفسه ووجدها فيما بعد؟


وسط ذهول يأسي، وجدت سنوات ضائعة تتجول باحثة عن الزمن الذي سُرق غفلةً، ووجدت سعادةً تنتظر حزينها عند موعدٍ جاء متأخرًا جدًا. هناك دمعة فرحٍ مترددة تتطلع إلى وجه مبتسم لم يظهر بعد. 


كل شيء يترقب، لكن أوقات الجميع معلقة بلا توقيت محدد، وأنا بينهم، موعدي مع نفسي ما زال بعيدًا وغير معلن. أصبحت الآن أسير الانتظار، مترقبًا تلك اللحظة التي سأتمكن فيها من البدء بالبحث الحقيقي عن ذاتي.


عدت إلى المنزل صامتًا، أتصفح كلماتي القديمة بحذر ومزاحٍ داخلي. كانت حروفي حزينة، وكأنها تنتظر مني إضافة بسمة صغيرة، حتى وإن كانت مختبئة داخل جملة واحدة. حزينة هي كلماتي لأنها لا تفهم أن للسعادة غيابٌ طويل بين صفحات أحزاني. غافلة هي تلك الكتابات، تظن أنني سأعود إليها متحمسًا لأعيد ترميم عوالمها التعيسة. كلمات باهتة تخيلت أن لها لحنًا مكرّرًا وصوتًا عابسًا.


دفعت قلمي بإهمال جانبًا وقررت التوجه إلى الرسم، علّني أجد عزاءً في الألوان. لكن الريشة التي التقطتها كانت صلبة ومترددة، وكأنها تخشى لقاء الألوان من طغيان الهشاشة عليها. غضبت ورميتها كما رميت القلم قبلها.


ما لهذا اليوم؟ يبدو واضحًا في كافة تفاصيله بلا غموض. وما لي أنا، ألمح كل شيء بنقاءٍ مؤلم؟ 


لا شك أن حياتي بدأت تملّ من شكاواي ومن قنوطي، وربما باتت تفكر في التخلّي عنّي. أدركت أن علي التحرك قبل فوات الأوان. يجب أن أجعل للسعادة مكانًا بين تفاصيل أيامي. يجب أن أزرع السرور في قلوب من حولي وفي كل زاوية من عالمي الصغير. لأنني لو لم أفعل، فستنطبع تعاستي للأبد في حبر كتاباتي وتنتهي بي كرسمٍ باهت مكتوب على جدران النسيان.


قراءة الذات


هناك الكثير من السكون يختبئ بين طبقاتٍ غطّاها الزمن بعمرٍ مديد، في كل زاوية أثر باهت، وفي كل زاوية ظل شخصٍ نساه الجميع.


لم أعد قادراً على استحضار جميع ما مر في حياتي، فبقي فقط ما ترك ندبةً عميقة أو بصمة لا تُمحى، تلك التي تحفر في داخلي أعماقاً جديدة كل مرة.


أتأمل أحياناً واقع نفسي وأدرك أنني محاط بالذكريات التي أصبحت حياةً بحد ذاتها. كل شيءٍ لي يمتد نحو الماضي، ولكنه ماضٍ ضبابي، لم أعد متيقناً إن كان يمضي حقاً.


الماضي هو ما مضى، فلماذا إذاً تعود الذكريات لتستوقفني؟


ذكرياتي هي مزيج بين الحاضر والماضي، أحاول أن أهرب منها مراراً، أحياناً بابتسامة عابرة تُخفي وراءها حزناً عارياً، وأحياناً أخرى بحسرة تقودني نحو فقدانٍ فُرض عليّ يوماً دون قدرة مني على مقاومته.


ومع ذلك، ليست جميع الذكريات حزينة؛ بين تلك الصفحات يوجد ما منحني لحظات من الفرح الغامر جعله يستحق إعادة العيش، ويوجد ما أشعرني بالملل آنذاك لكنه في النهاية قوض ذلك الشعور بالزهو الذي كنت أعيشه.


أحاول أن أقرأ نفسي اليوم، فأرى بقايا حطام. حطامُ مركبٍ أبحر بعيداً بعيداً مع أمواج الزمن، فقط ليجد نفسه مركوناً في زاوية مهملة. هناك وجدت راحتي، ربما أحببت ذلك الركن المهجور، ومنذ ذلك الحين والغبار يُراكم فوق تلك الذكريات.


رحيل  

صمت يلف المشهد، نعاس يُثقل الجفون، وأقلام تحاول رسم حروف غارقة بالأوجاع.  


صمت ممزوج ببكاء مختنق بدخان يملأ المكان ويضيق الأنفاس.  


صمت تخالطه نيران تلتهم الجدران بشراهة، تُخرج الذكريات من مخابئها لتحترق مرّة أخرى.  


صور محترقة، أوراق متناثرة، وأحلام تبدّدت كأنها لم تكن.  


بين الحطام بقايا ضحكات خافتة، بدايات وُئدت تحت غبار الركام، ولا أحد ليملأ الفراغ الشاغر في الزوايا الغافية.  


كان هناك بيت صغير، كان وطناً يحتضن أعماراً وأحلاماً، كان عرقاً يلمع على جبين عجوز أنهكته السنين. عجوز رحل قبل أن يرى الدمار، تاركاً وراءه معاناة لذرية سمراء تقاوم بياض الغياب.  


رعب يسمع من بعيد، يمتد خطواته نحو الخراب، لكنه عند الوصول لا يجد أحداً ليُرعبه؛ فقد غادر أهل الدار، التحقوا بموكب العجوز وغرقوا في ضحكة أخيرة.  


ظُلمٌ يتوعد بالقدوم، عواء يتردد بين الفراغات، يصرخ كمن يريد إحياء الموتى وسط الركام وأشلاء الذاكرة.  


ملك ظالم يحلّ كظلام الليل الحالك، نارٌ محرقة كالشمس تطل من وجهه، يجد في ما تبقى من الدار عرشاً مهجوراً يعج بالخراب.   


وهكذا تمضي الأيام بين الأحوال والأهوال.


إرسال تعليق

Please Select Embedded Mode To Show The Comment System.*

أحدث أقدم

نموذج الاتصال